القرطبي
315
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
شيئا ، إلا أنه أفسد إسناده . ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يتابع ( 1 ) عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه . ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت ، فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة ، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء . وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة ، وعن سعيد ابن المسيب ، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات . قال أبو عمر : وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة ، وحدث به الثقات ، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول ، وجرى في المدينة العمل به ، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث . الرابعة عشرة - ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شئ وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( جرح العجماء جبار ) فقاس جميع أعمالها على جرحها . ويقال : أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول ، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء ، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له ، فإن النسخ شروطه معدومة ، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر ، وحديث ( العجماء جرحها جبار ) عموم متفق عليه ، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد : العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث ، لم يكن هذا مستحيلا من القول ، فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض ؟ ! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول . الخامشة عشرة - إن قيل : ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار ، وقد قال الليث بن سعد : يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت ، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية ؟ قلنا : الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال
--> ( 1 ) في ز : لم ينازع .